سيد محمد طنطاوي

148

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( وقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ ) * هذا قول منكري البعث أي : هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا . وأصله من قول العرب : ضل الماء في اللبن إذا ذهب . والعرب تقول للشيء غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره : قد ضل . . » « 1 » . أي : وقال الكافرون على سبيل الإنكار ليوم القيامة وما فيه من حساب أإذا صارت أجسادنا كالتراب واختلطت به ، أنعاد إلى الحياة مرة أخرى ، ونخلق خلقا جديدا . . . ؟ وقوله - سبحانه - : * ( بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ) * إضراب وانتقال من حكاية كفرهم بالبعث والحساب إلى حكاية ما هو أشنع من ذلك وهو كفرهم بلقاء اللَّه - تعالى - الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم . . . أي : بل هم لانطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد والجهل عليهم ، بلقاء ربهم يوم القيامة ، كافرون جاحدون ، لأنهم قد استبعدوا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ، مع أن اللَّه - تعالى - قد أوجدهم ولم يكونوا شيئا مذكورا . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن مردهم إليه لا محالة بعد أن يقبض ملك الموت أرواحهم فقال : * ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) * . وقوله * ( يَتَوَفَّاكُمْ ) * من التوفي . وأصله أخذ الشيء وافيا تاما . يقال : توفاه اللَّه ، أي : استوفى روحه وقبضها ، وتوفيت مالي بمعنى استوفيته والمراد بملك الموت : عزرائيل . أي : قل - أيها الرسول الكريم - في الرد على هؤلاء الجاحدين : سيتولى قبض أرواحكم عند انتهاء آجالكم ملك الموت الذي كلفه اللَّه - تعالى - بذلك ثم إلى ربكم ترجعون ، فيجازيكم بما تستحقونه من عقاب ، بسبب كفركم وجحودكم . وأسند - سبحانه - هنا التوفي إلى ملك الموت ، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح . وأسنده إلى الملائكة في قوله - تعالى - فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ لأنهم أعوان ملك الموت الذين كلفهم اللَّه بذلك .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 91 .